موازنة 2020 .. متوازنة .. طموحة.. وتوسعية

مسقط – خالد عـرابي
مع بداية العام الجاري تم الإعلان عن الميزانية العامة للدولة، حيث كان قدر أصدر المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – طيب الله ثراه – مرسوما سلطانيا ساميا بالتصديق على الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2020م ، وقد أطلعنا عليها جميعا و تعرفنا على أدق و أهم تفاصيلها ومنها حجمها أو قيمتها و قيمة مواردها و نفقاتها وتقدير سعر برميل النفط للعام الجاري وغيرها غير أن القراءة لأي ميزانية يجب أن تتم بطريقة متأنية فيها نظرة شمولية ثم أخرى دقيقة لبعض البنود للوصول إلى انطباع عام عنها و هنا سنحاول بطريقتنا أن نبسط الأمر ونطرحها بطريقتنا مع الاستفادة بأراء أهل الخبرة في ذلك .


وقد يتسائل البعض حول الهدف من استعراض الموازنة العامة لأي دولة، وهو هو مهم جدا أو ذا قيمة كبيرة للمواطن العادي؟ وهذا ما أجاب عنه البيان الرسمي لوزارة المالية حول الموازنة حيث قال: يستعرض بيان الموازنة للدولة أهم المؤشرات المالية والاقتصادية التقديرية للسلطنة للعام المالي 2020، و كذلك التوقعات الأولية للعام المالي 2019 وذلك لتعزيز الشفافية وتمكين المواطنين والمؤسسات المحلية والدولية والمستثمرين من الاطلاع ومعرفة المؤشرات والمستهدفات المالية العامة للسلطنة لعام 2020م.    


جملة الإيرادات المقدرة
وبحسب البيانات الرئيسية للموازنة -والتي كشفت عنها وزارة المالية وبالتنسيق مع الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط – بلغت جملة الإيرادات المقدرة للموازنة العامة للدولة للعام الجاري (2020) نحو 10 مليارات و700 مليون ريال عماني بزيادة تبلغ 6% عن الإيرادات المقدرة للعام الماضي (2019 )، في حين تم تقديرإجمالي الإنفاق العام في نفس العام بحوالي13 مليار و200 مليون ريال عماني، أي بارتفاع قدره 2% عن الإنفاق المقدر للعام 2019م .وبالتالي وبحسبة بسيطة عند طرح قيمة الإيرادات من قيمة الانفاق المقدر يكون العجز المتوقع في موازنة العام حوالي 2.5 مليار ريال عماني، أي بحسبة أخرى يمكن تقديرة على أنه يمثل ما نسبته 8% من الناتج المحلي . وذلك مع مراعاة أنه قد تم احتساب سعر برميل النفط على أساس متوسط 58 دولار للبرميل .

وهنا يأتي التساؤل التلقائي: كيف سيتم تمويل هذا العجز وهنا تكون الإجابة ببساطة ما ورد في الموازنة نفسها وهو أنه سيتم تمويل هذا العجز كالتالي: تمويل نسبة 80% منه والمقدرة بمبلغ ملياري ريال عماني من خلال الاقتراض الخارجي والمحلي، وتمويل باقي العجز والمقدر بنحو500 مليون ريال عن طريق السحب من الاحتياطيات، مع مراعاة أننا قلنا أنها الموازنة المقدرة وأن سعر برميل النفط قدر على 58 دولار كما أن هناك ترشيد في النفقات اتبعته الحكومة في السنوات الأخيرة وهو ما يأتي ثمارة الإيجابية و بالتالي يمكن أن يقل هذا العجز عن المتوقع كما حدث في العام الماضي.

تمهيد لرؤية عُمان 2040
وإذا ما نظرنا لموازنة العام الجاري من زاوية أخرى نجد أنها تتخذ أهمية كبيرة فهي من زاوية تمثل السنة الأخيرة من سنوات الخطة الخمسية التاسعة للتنمية ((2016 – 2020) وكذلك السنة الأخيرة من “رؤية عُمان 2020″، وبالتالي ينظر لها على أنها تأتي استكمالاً لما بدأته ميزانيات سنوات الخطة، وتمهيد للانتقال إلى العمل بالرؤية الاقتصادية عُمان 2040 والخطة الخمسية العاشرة (2021 – 2025) كأول خطة تنفيذية للرؤية .


وكذلك إذا ما نظرنا إلى الأسس التي تم بناء عليها إعداد تقديرات الموازنة للعام ، فإنها وكما أعلنت وزارة المالية نفسا في بيان الموازنة أيضا قد وضعت وفقاً للمؤشرات الاقتصادية وتطورات الاقتصاد العالمي، وأخذ في الاعتبار التوجهات والأهداف الرئيسية والتي تأتي في مقدمتها مواصلة تحقيق الاستدامة المالية وتخفيض حجم الدين العام، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي تساهم في تشغيل القوى الوطنية، ومواصلة تعزيز دور مؤسسات القطاع الخاص في مسيرة التنمية، والمحافظة على استقرار معدلات التضخم على النحو الذي يحافظ على مستوى دخل الفرد .

أما عن نظرة الخبراء لموازنة العام فبحسب رؤية وتوقعات تقرير “أوبار” جاءت موازنة عام 2020 كمثيلتها في العام السابق(2019) توسعية على الرغم من التحديات المختلفة. واعتقد تقرير “أوبار” أن الحكومة قد حددت أهدافها بشكل جلي لعام 2020 والمتمثلة بالشمولية والتوسعية واللجوء لكافة الوسائل بهدف دعم الثقة بالاقتصاد.


واستند تقرير أوبرا على أن الحكومة قدرت سعر برميل النفد على أساس 58 دولارا أمريكيا للبرميل ، في حين أنه وطبقا لصندوق النقد الدولي فمن المتوقع أن يبلغ سعر التعادل للنفط في الموازنة 87.6 دولار للبرميل وسعر التعادل للنفط للحساب الجاري 72.2 دولار أمريكي للبرميل وذلك لعام 2020. ارتفع مبلغ الدعم في الموازنة إلى 755 مليون ر.ع. لعام 2020.



تقرير “أوبار”
وقال تقرير “أوبار”: لم يتم فقط زيادة الإنفاق المقدر بل تم تخصيص إنفاق إضافي من خارج الموازنة في مختلف القطاعات. هذه الأهداف والإعلانات هي إشارات مشجعة للغاية ومطمئنة للمستثمرين. لقد خصصت الحكومة إنفاقا أعلى في الموازنة على الخدمات الأساسية وزيادة الدعم واستمرار الإنفاق على مشاريع التنمية وأعلنت كذلك الالتزام بالمدفوعات في الوقت المناسب على المشاريع التنموية وهي بعضا من الافصاحات الداعمة التي سيتم النظر لها بشكل إيجابي من قبل المستثمرين المحليين والدوليين.


وأضاف بيان “أوبار” : لم تتطرق الحكومة في بيانها إلى تطبيق ضريبة القيمة المضافة أو أي ضريبة أخرى في 2020، مما يعني انخفاض العبء المتوقع على عامة الناس أيضا وثبات تكلفة هيكلية التمويل للعديد من الشركات التي تعاني أصلا من التكاليف المنخفضة للمنتجات المستوردة من الدول المجاورة.


وأشار بيان أوبار إلى أن توقعات الحكومة أن تبلغ إيرادات عام 2020 طبقا للموازنة 10.7 بليون ر.ع.، أي أعلى بنسبة 6% مقارنة مع الإيرادات المقدرة للعام السابق بسبب إرتفاع الإيرادات غير النفط والغاز بنسبة 13%. وتوقعت الحكومة زيادة بنسبة 3.4% في إيرادات النفط والغاز وتم إفتراض سعر برميل النفط عند 58 دولارا للبرميل، وهو ذات الافتراض لعام 2019. من المتوقع أن تصل إيرادات النفط والغاز إلى 7.7 بليون ريال عماني. في عام 2020 مقارنة بـ 7.44 بليون ريال في عام 2019. وفيما يتعلق بنسب المساهمة، شكلت إيرادات النفط والغاز نسبة 72.0 % من إجمالي الإيرادات المقدرة في حين أن النسبة المتبقية جاءت من مصادر غير نفطية.

ملاحظات على الموازنة
هذا ومن أهم الملاحظات على موازنة العام الجاري أيضا أنها تهدف إلى تحقيق مجموعة من أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومنها:
تحقيق الاستدامة المالية: تستمر الموازنة العامة للدولة في السعي لتحقيق التوازن المالي في المدى المتوسط من خلال الضبط المالي والسيطرة على معدلات العجز.. ورفع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى جملة الإيرادات الحكومية من خلال توسيع قاعدة الإنتاج بما يؤدي الى تخفيض الاعتماد تدريجياً على النفط. والاستمرار في إجراءات ترشيد ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتحديد أسقف النفقات للجهات على المدى المتوسط. والبحث عن وسائل تمويل مبتكرة لتمويل بعض المشاريع والخدمات الحكومية. والعمل على تطوير نظام وآليات المشتريات الحكومية.


الاستمرار في تحفيز الاقتصاد الوطني: تعتبر الموازنة من أهم المرتكزات المحركة للاقتصاد الوطني لتحقيق أهداف الخطط الخمسية وإنجاز التنمية الشاملة والمستدامة من خلال الآتي: استكمال مشروعات البنية الأساسية الداعمة لتحفيز النمو الاقتصادي. و إعطاء الأولوية في تنفيذ المشروعات الضرورية التي تخدم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. والتريث في تنفيذ المشروعات غير الملحة، وإعطاء أهمية قصوى في المقابل لتشغيل المشروعات المكتملة وتعظيم استفادة المجتمع والاقتصاد من الأصول الرأسمالية المكتسبة. وإعطاء الأولوية لاستكمال التحول الإلكتروني في إنهاء المعاملات الحكومية الخاصة بإصدار الموافقات والتصاريح.
.. الاهتمام بمخصصات الصيانة للحفاظ على الإنجازات التنموية المحققة على مدار العقود الماضية.
.. رفع كفاءة المؤسسات الاقتصادية المملوكة للدولة وتعزيز أدائها في الاقتصاد الوطني.
.. توسيع مشاركة القطاع الخاص وتعزيز دوره في تنفيذ وإدارة بعض المشاريع والمرافق وتقديم
الخدمات.
الحفاظ على مستوى الخدمات الأساسية: تولي الحكومة اهتماماً كبيراً بأولويات الإنفاق ذات العائد الاجتماعي والاقتصادي، ومن هنا فإن الميزانية تستهدف المحافظة على ما تم تحقيقه من إنجازات في هذا الشأن ومنها:
الإنفاق الاجتماعي: يستمر النمو في الإنفاق على الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والاسكان والضمان والرعاية الاجتماعية، حيث بلغ في ميزانية 2020م نحو (40) بالمائة من إجمالي الإنفاق الجاري وتمثل الحصة الأكبر من الميزانية.
هذا ونجد أن الملاحظة الأهم هي أن الجهود مستمرة في التنويع الاقتصادي من خلال تسهيل الإجراءات في المؤسسات الحكومية وتهيئة المناخ المناسب لجذب المزيد من الاستثمارات بما يؤدي الى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الناتج المحلي للبلاد خاصة للأنشطة غير النفطية من خلال رفع مساهمة القطاعات الخمسة المستهدفة في الخطة الخمسية التاسعة والمتمثلة في قطاع الخدمات اللوجستية، وقطاع الصناعات التحويلية، وقطاع السياحة، وقطاع الثروة السمكية، وقطاع التعدين.