6850 عاماً من العزلة *

الحياة لا تمشي بشكل مستقيم أو متصاعد كما يُخيل لنا ، بل تدور في دوائر . تكرر الشخصيات نفسها بأسماء جديدة. تتكرر الأحداث بتفاصيل محدثة . وتأتي نهاية كل حقبة كنسخة ملونة للحقبة التي سبقتها . هذا هو ملخص الفكرة التي قامت عليها رواية ” مائة عام من العزلة” لغابرييل غارثيا ماركيز. وهذا هو جوهر حياة قرية “ماكوند” التي استقرت فيها عائلة خوسية بوينديا وعمرتها . كبرت العائلة فيها وجاء الأولاد والأحفاد وكبرت القرية معهم. وعندما وفد إليها الغجر تنبأ المشعوذ ” ملكياديس” بنهايتها في مجموعة أوراق سحرية لا يمكن قراءتها إلا بعد 100 عام . 10 عقود قضتها القرية في عزلة وصراع . قصص حب وحرب ، هزائم وانتصارات ،. انتهت بفنائها بعد مئة عام برياح عجيبة دمرت القرية بعد أن انهارت العائلة نفسها بسبب أخطائها المكررة جيل بعد جيل .

أنها الحياة البشرية بين دفتي كتاب ، مصاغة بشكل كئيب لا يُناسب مذاقه المرّ شهيتي.

أعترف أني حاولت قراءة الرواية مرتين لأفهم سبب طبع 30 مليون نسخة منها، وفوز كاتبها بجائزة نوبل بسببها . في المرة الأولى تركت يد أبطال الرواية في منتصف الطريق ، فالإطناب في وصف الطبيعة ونسيج الحياة الكولومبية أشعرني بالضجر لبعده عن ما ألفته . في المرة الثانية تمكنت من الاندماج فيها بعد أن سحبت حقائقها وأحداثها المجردة على أحداث وحضارات عجّ بها التاريخ تشاركت مع مدينة ” ماكوند ” التي بناها خيال ماركيز في نشأتها الواعدة ، وصراعتها العبثية ، وفسادها الذي قضى عليها في النهاية . لذا قال برنادشو يوما ” أن التاريخ يعيد نفسه مرتين : مرة على شكل مأساة ومرة على شكل مهزلة ” والحق أن التاريخ أعاد نفسه لليوم ألف مرة؛ وعلى شكل مأساة ومهزلة في الوقت ذاته دوما..

أن القلق الذي يسكن أجفان العالم من حروب ومهالك جديدة ، نتاج حتمي لتكرار البشر لأخطائهم عصرا بعد آخر. فالإنسان – رغم ذكاءه الظاهري- مبتلى بغرور يمنعه من أستلال العبر فيُجرب المجرب ، ويقع في ذات الحفر التي وقع فيها أسلافه.. مرة بعد مرة ..

—————

هامش : يقدر البعض عمر البشرية بـ 6850 عاماً استنادا على المصادر التوراتية والله أعلم .