خبيرة طب نفسي عمانية: الأزمات فرص .. وكورونا سيشعرنا لاحقا بالفخر

مسقط – 7
ظن البعض منذ بداية ظهور مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد – 19) أن الأمر ربما لن يطول كثيرا، كما و لم يكن على بال الكثير منا أن تطول هذه الأزمة و أن تمتد أثارها بهذا الشكل المتعب والمؤذي والمرعب في بعض الأحيان، وهو ما تبعه الكثير من الأضرار منها الصحية و الاقتصادية و الاجتماعية .. غير أن الأثر النفسي يبقى واحد من أهم و أكبر هذه الأثار أولا لأنها مرابط بكل تلك الأثار السابقة وثانيها لأنها لو سيطر على الأنسان و تحكم في تفكيره لإغنه سيكون الأكثر ضررا بل و الأكثر تأثيرا على بقية الأثار .. ” 7 أيام” التقت الدكتورة نوال بنت ناصر المحيجرية، الطبيبة النفسية – تخصص دقيق الطب النفسي الجسدي ورئيسة وحدة الطب النفسي الجسدي بالمستشفى السلطاني، والمدربة المعتمدة في مهارات التواصل والذكاء العاطفي) لتشرح لنا أثر فيروس كورونا نفسيا وكيف يمكن تجنب تلك الأثار السلبية.

في البداية أكدت الدكتورة نوال على أن العالم ما زال يحاول إيجاد حلول للعودة الى الحياة الطبيعية لتجنب نقل عدوى فيروس كورونا، واي تحدي يواجه البشرية يساهم بشكل أو بأخر في تعزيز المرونة النفسية وهي القدرة على تغيير المواقف والإجراءات الواجب إتخاذها عند ظهور أحداث جديدة أو غير متوقعة، وتتيح هذه المهارة التعامل بسهولة أكبر مع الأزمات والمواقف الصعبة، دون الحاجة إلى فترات طويلة من الزمن.
واضافت: المناعة النفسية التي سيكتسبها الفرد والمجتمع مع أي أزمات وأحداث جديدة في حياته ستكسبه أمورا صحية بشكل عام وتعلمه الحفاظ على الصحة الشخصية، كما ستعلمه المسؤولية تجاه المجتمع، وكيفية التعامل الإيجابي مع الأزمات، كذلك تعلم المرونة الإيجابية مع تغير الروتين في الحياة وأوقات الفراغ، والزهد في الأمور التي اعتاد الأفراد عليها واختفت مع وضع الطوارئ.


وأشارت المحيجرية في إلى أن أزمة فيروس كورونا أصبحت وباء عالميا، والتعاون المجتمعي والمسؤولية الفردية سيجعل الناس يعيشون هذه الخبرة بألم نفسي وفقدان وحزن أقل، وبالمقابل سيشعرون بالفخر لما أظهروه من إيثار ومسؤولية، موضحة هناك مثل ياباني يقول “الأزمات فرص”، وهذه الأزمة هي فرصة لتعلم قيم مهمة للنسيج المجتمعي.


واضافت: أعتقد أنه بعد إنتهاء الفيروس ستكون مناعة الناس النفسية أعلى، نحن اليوم نستلهم الشجاعة من الأزمات التي مررنا بها سابقا، لكل مجتمعات أزماتها الخاصة، والأزمات تجعل الفرد والمجتمع أقوى وتظهر صفات المجتمع الحسنة من التطوع والتعاون والمسؤولية المجتمعية، وأنا أرجح أن هذه الأزمة ستجعل المجتمعات أفضل بعد حين، حيث سيتعلم الحفاظ على الهدوء الشخصي، وتقديم العناية اللازمة للأشخاص المحيطين، ونحن نستخدم هذه المهارة بالفعل في حياتنا اليومية، عندما نتعامل مثلًا مع تغييرات تحدث في برنامج العمل في اللحظة الأخيرة، أو أن تحتاج إلى تغيير ساعات العمل عندما يكون أحد الأولاد مريضًا مثلًا، أو الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات أثناء الفترات الانتقالية، كفترة ترك الوظيفة عندما لا تكون هناك بدائل أخرى متاحة حيث أن الحفاظ على عقلية مرنة وتحسينها سيكون مهارة حاسمة بالنسبة لنا، كبديل للوقوع في اليأس والقلق المزمن.


واستطردت: من الملاحظ تسجيل ارتفاع في نسبة حالات المصابين من العمانيين بالفيروس من الأسرة الواحدة، وفي الوقت ذاته هناك عدم قدرة على السيطرة على الصحة النفسية، وفي هذا السياق بداية من المهم أن نفهم: لماذا يثير موضوع كورونا الفزع بين الناس؟ فهناك بعض الأشخاص ذوو شخصيات قلقة أصلا، فهؤلاء سيتفاقم القلق جليا لديهم في زمن كورونا، أنا شخصياً أتلقى اتصالات هاتفية ويزورني أشخاص في عيادتي لديهم أساسا وسواس قهري وقلق صحي متعلق بالأمراض في ظل وجود الفيروس في الأجواء، وكأنه أصبح محفزا لظهور أعراض وسواسية أخرى، وإلى جانب الشائعات والتهويلات فإن فزع الناس من كورونا ينبع من أن الإنسان يخاف مما يجهله أكثر من الأمر الذي يعرفه، وهناك نسبة من الغموض والمجهول في مرض كورونا تثير التوجس لدى الناس، لا يتوتر الناس لخشيتهم من الموت أو الضرر الجسدي فقط، بل أيضا لخشيتهم من التعطل عن العمل والإنعزال والاستبعاد الإجتماعي إن أشيع أنه مريض أو محجور صحيا، فيخاف من خسارة وظيفته ويخشى أن يكون مصدرا للعدوى، فيقوم بعضهم بالتنصل من الحجر الصحي مثل، هذا بالإضافة للآثار المترتبة من التباعد الاجتماعي على الأفراد لتفهم ردود أفعالهم.


وأوضحت المحيجرية بأن التباعد الاجتماعي هو ببساطة تجنُّب التجمعات والاتصال الوثيق بالآخرين، ويعتبره الخبراء في مجال الصحة أمرًا بالغ الأهمية لإبطاء وتيرة انتشار الفيروس، وتفادي إرهاق نظم الرعاية الصحية، وربما حمايتها من الإنهيار في حالة ارتفاع معدلات الإصابة إلى مستوى لا يمكن التعامل معه بكفاءة، ولكن كيف يمكن التكيف مع هذا الظرف الطارئ مع تجنُّب أي آثار سلبية على النفس أو المجتمع؟


وتجيب الدكتورة نوال إن إحدى الدراسات العلمية التي أجريت حول التباعد المجتمعي، أوضحت بانه فيما يتعلق بالآثار السلبية التي قد يسببها التباعد الاجتماعي تجاوبًا مع جائحة فيروس كورونا المستجد أولا: قد يؤدي ذلك إلى تفاقم الأمور بالنسبة لأولئك الذين يعانون فعليا من مشاعر العزلة والوحدة، ولكن في المقابل قد يكون نقطة تحفيز لآخرين على التواصل المجتمعي، حيث قد يكون الاحتمال الأكثر تفاؤلا هو أن الوعي المتزايد بطبيعة الوباء سيدفع الناس إلى البقاء على اتصال واتخاذ إجراءات أخرى إيجابية.


ومن المهم جدا أن نستوعب بأن هناك تنوعا هائلا في قدرة الناس على التعامل مع العزلة الإجتماعية والشعور بالتوتر ، حيث إنه من المهم أن نتذكر أنه ليس كل من يخوض الأزمة الحالية يكون بمستوى الصحة العقلية ذاته، والشخص الذي يعاني بالفعل من مشكلات مع القلق الاجتماعي والاكتئاب، والشعور بالوحدة أو غيرها من المشكلات الصحية سيكون أكثر عرضة للتأثر بإجراءات التباعد الاجتماعي على نحو سلبي والناس من جميع الأعمار معرضون للآثار السيئة للعزلة الاجتماعية والوحدة وهنا أؤكد على ضرورة تآزُر الأسر في مثل هذه الأوقات الصعبة، والوسطية في التعامل مع الوضع مطلوبة ” لا إفراط ولا تفريط ” .

ما النقطة الفاصلة بين المسؤولية والخوف في التعامل مع زمن الكورونا؟
اجابت الدكتورة نوال: علينا أن نفهم كيف تعمل أدمغتنا لنكون أكثر قدرة على فهم مخاوفنا وقلقنا والتعامل معهما بشكل أفضل من أجل اتخاذ قرارات وخطوات أفضل في مواجهة هذا الفيروس والتهديدات الأخرى التي يمكن أن تحل على العالم في أي وقت.
ويرجع هذا الخوف، وفي أحيانا كثيرة قد يصل الأمر إلى درجة الهلع إلى أن أدمغتنا تستجيب لحالات الخطر بإفراز هرمون الكورتيزول الذي يحفز إستجابة “الكرّ والفرّ” في الجسم، وهي أولى المراحل التي طوّرها الإنسان بيولوجيا للاستجابة لحالات الاجهاد والخوف، والتي بدورها تزيد من نسبة التركيز والإنتباه لأي تهديد محتمل قد يتعرض له على اختلاف شكله أو نوعه.
يعد هذا التركيز أمرا بالغ الأهمية في أوقات الأزمات والمخاطر، إذا لم يكن الخوف موجها نحو هدف صحيح فقد يتحول في هذه الحالات إلى حالة من الهوس الخاطئ قد ينتج عنها اضطرابات القلق، كأن يمتد الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية كافة وتتخذ على إثره العديد من القرارات الخاطئة وتتبنى العديد من التصورات غير الصحيحة بناء على الخوف فقط.
وفي النهاية، ليس من الغريب أن يحدث ذلك في عالمنا المترابط والمتواصل بشكل متزايد على مدار الساعة، فمن الصعب علينا أن نضع المخاطر في منظورها الصحيح مع كل ما ينشر في صفحات فيسبوك أو تويتر أو في نشرات الأخبار التي لا تتحرى الدقة والمصداقية فتعمل بدورها على تنشيط أدمغتنا البدائية لتعزيز الخوف والقلق وبالتالي العجز عن إتخاذ الاستجابة الصحيحة.
بدلا من ذلك، نحن بحاجة قبل كل شيء إلى أن نتعلم التزام الهدوء والتروي في مواجهة الخوف للتفكير بشكل صحيح وهادئ للحفاظ على كل من صحتنا النفسية والجسدية في الوقت نفسه.


وعن كيفية إدارة الانفعالات النفسية في ظل استمرار انتشار الفيروس ولمن قد أُصيب بالفيروس ولأهل المصاب، قالت المحيجرية: هناك مجموعة من النصائح بودي توجيهها لكافة شرائح المجتمع بشأن إدارة الانفعالات في ظل الأزمة ومرحلة التعايش معها، بالنسبة للأطفال من المهم أن تتم توعيتهم بعبارات لا تخيفهم وتتناسب مع مستواهم العقلي، وأن لا يظهر الوالدان القلق أمام أولادهم وعدم التحدث الزائد عن الموضوع، وهذه فرصة أيضا لتوعيتهم حول النظافة الشخصية، وملء أوقات فراغهم جيدا، مع مراعاة عدم انقطاعهم عن التعليم لمدة طويلة، وأن لا يبقى الطفل حبيس المنزل، أيضا يجب أن يتعرض للهواء والشمس تحت الإشراف بعيدا عن أي أطفال مرضى.


أما كبار السن فيكادون يكونون أكثر رقة من الأطفال، ولديهم هشاشة صحية ونفسية أعلى من غيرهم، لذلك من المهم البقاء بالقرب منهم والتواصل معهم مع الحرص الشديد على عدم نقل العدوى لهم، ودعمهم من الناحية المعنوية والصحية بما فيها من تغذية ورياضة وتهوية جيدة، والاهتمام بظهور أي أعراض مرضية حتى لا تتأخر الرعاية الصحية اللازمة.


هناك أيضا القطاع الطبي الذي يقدم الخدمة للمصابين، فهؤلاء يدخلون في ضغط إضافي نتيجة زيادة الأعباء عليهم، إذ عليهم أن يبتعدوا عن أبنائهم وأزواجهم وعائلاتهم، ولديهم محاذير أكثر من الآخرين، خصوصا أن بعض مقدمي الخدمة الطبية أصيبوا بالفيروس، لذلك كان لزاما الثناء على ما يقومون به ودعمهم مجتمعيا وتقديم الدعم والمشورة النفسية لهم، وعدم لومهم ونقدهم في كل صغيرة وكبيرة، ولا يمكن إغفال شريحة أهل المريض الذين يكونون بأمس الحاجة للمعلومة الطبية المتزنة والمطمئنة التي تمكنهم من الحفاظ على التوازن في صحتهم النفسية وبالتالي تقديم الدعم اللازم للمُصاب.


وفي هذا الإطار، هناك مجموعة من النصائح للمساعدة في التحكم في مشاعر القلق والتوتر بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد، ومنها:
-التقليل من التعرض للأخبار السلبية، التي قد تؤدي إلى زيادة الإحساس بالهلع.
-وضع حد أقصى لمعرفة الأخبار عن تطور الفيروس، وليكن ٣٠ دقيقة في اليوم كمثال.
-ضرورة الاستمرار في الحفاظ على الروتين اليومي، مثل الاستيقاظ في الموعد نفسه.
-محاولة الفصل بين الالتزامات العائلية والتزامات العمل أثناء العمل في المنزل.
-محاولة تعلم هوايات جديدة أو تبني روتين جديد حتى انتهاء هذه الفترة، أو اداء بعض المهمات المؤجلة.
-اختيار الانحياز إلى التفاؤل، بالرغم من الوضع الحالي.
-الالتفات إلى قيمة اللحظة الحالية وإلى قيمة الصحة.
-محاولة البعد عن الأشخاص السلبيين والبعد عن مصادر التوتر قدر الإمكان.
-محاولة مساعدة الآخرين، والخروج خارج الذات.
-طلب المساعدة من الآخرين، سواء من المقربين أو طلب المساعدة النفسية من خلال العلاج السلوكي المعرفي، ومن الممكن أن يتم ذلك عبر الإنترنت، خاصة مع توافر وسائل التواصل من خلال الفيديو.
-التعبير عن مشاعر الغضب أو الآلام النفسية والتحدث عنها؛ لأن الكبت قد يؤدي إلى الاكتئاب أو زيادة الأمراض النفسية التي قد لا تظهر آثارها الآن.
-ممارسة تمارين التأمل من خلال تطبيقات الموبايل أو ممارسة أي نوع من التمارين الرياضية في المنزل.
وأخيرا أقول للمجتمع كافة دعونا نعود بحذر ونتكيف مع الوضع المعيشي الجديد ما بعد ذروة أزمة كورونا ونعيش نتعايش مع كورونا بطريقة صحيحة وصحية متزنة.